السيد كاظم الحائري

631

تزكية النفس

إلّا أنّ هذه الشفاعة ليس فيها أمل جديد للعاصي غير نفس أمل سعة رحمة اللّه عزّ وجلّ . وعلى أيّ حال ، فهذه الشفاعة خلاف ظاهر أكثر أدلّة الشفاعة ؛ فإنّها تنصرف - بقطع النظر عن الإشكالات - إلى الشفاعة المألوفة في هذه الدنيا ، وهي : العفو عن المذنب لأجل الشفيع ، لا العفو الذي كان المفروض أن ينزل على المذنب ولكنّه لم ير طريقا للنزول إلّا بتوسّط الشفيع ، وذلك من قبيل توسط الشمس والتراب في وصول الأرزاق إلينا . وهنا أيضا لا أرى مبرّرا لمصير من صار إلى تفسير الشفاعة بذلك عدا عجزه عن حلّ الإشكالات التي توجّه إلى الشفاعة بالمعنى المألوف . التفسير الثالث : ما أشرنا إليه آنفا من الشفاعة المألوفة في الدنيا التي هي لأجل الشفيع ، أي : إنّ اللّه - تعالى - إنّما يعفو عن المذنب لا لأنّه أراد العفو والرحمة في ذاتها ، ولم يكن طريق لنزول العفو أو الرحمة إلّا الشفعاء ، فالشفعاء كانوا وسطاء في خطّ النزول ، بل كان العفو والرحمة لأجل طلب الشفيع ذلك من اللّه ، فالشفيع وسيط في خطّ الصعود بين العبد واللّه سبحانه وتعالى . وهذا هو ظاهر أدلة الشفاعة التي تحمل - لولا محذور - على نفس ما هو المفهوم والمألوف في هذه الدنيا : من أنّ كرامة الشفيع لدى المشفوع إليه أوجبت قبول طلبه وشمول رحمة المشفوع إليه للمشفوع له . وهذا المعنى هو في غاية الظهور من مثل قوله تعالى : . . . وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً « 1 » ؛ فإنّ سياق الآية كما ترى جعل البدء بالعاصي ، فهو الذي يجيء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ويطلب منه طلب المغفرة ، ثمّ يدعو له الرسول ، ثمّ يجد اللّه توّابا رحيما . وليس العكس كما يقوله صاحب التفسير الثاني .

--> ( 1 ) السورة 4 ، النساء ، الآية : 64 .